تشخيص19 يونيو 20266 دقائق

خبير يقيس كل شي فيخنق إبداعه. فخ القياس المفرط

القياس أداة، مش غاية. لما الخبير يقيس كل تفصيل بيتحول لموظف أرقام، وبيخسر التلقائية اللي بنت علامته. هاي ليش وكيف توقف الفخ.

كوتش نوم في الرياض بنى حسابه على فيديوهات عفوية. بيصور وهو قاعد عالكنبة، يحكي عن مشكلة نوم مرت معه، بلا سكريبت ولا قياس. الفيديوهات وصلت لعشرات الآلاف، والناس حبت العفوية. بعد سنة، قرر يصير محترف. ركب لوحة أرقام، وصار يتابع نسبة المشاهدة لكل ثانية، وأفضل وقت نشر، وطول الجملة المثالي.

بعد ثلاثة أشهر من القياس، فيديوهاته صارت أنظف وأبرد. كل فيديو مضبوط على الأرقام، وكل فيديو بلا روح. المتابعين اللي كانوا بيعلقوا «حسيت إنك بتحكي معي» اختفوا. هو ما خسر مهارته. خسر تلقائيته. والتلقائية كانت كل القصة.

هاد المقال بيشرح كيف القياس المفرط بيتحول من أداة بتخدمك لقيد بيخنقك، وليش الخبير تحديداً معرض لهاد الفخ أكثر من غيره، وكيف تستعمل الأرقام بلا ما تموت إبداعك تحتها.

القياس أداة. لما يصير غاية، بينقلب عليك

في فرق جوهري بين إنك تقيس عشان تتعلم، وبين إنك تقيس عشان تطمن. الأول بيخليك أذكى. الثاني بيخليك مشلول.

الخبير اللي بيدخل عالم القياس أول مرة بينبهر. فجأة في أرقام تقوله شو اشتغل وشو لأ. بس الانبهار بيتحول بسرعة لإدمان. بيصير يفتح اللوحة عشر مرات باليوم، بيقيس كل منشور، كل ستوري، كل رد. وكل ما زاد القياس، قلت المساحة اللي بيتحرك فيها بحرية. لأنه قبل ما يكتب أي شي، صار يسأل حاله: هل هاد رح يأدي؟ والسؤال هاد بيقتل أي فكرة جريئة وهي بالمهد.

استشاري مطاعم في الكويت كان بينشر آراء صريحة عن أخطاء المطاعم، وكانت آراؤه القوية هي اللي بنت اسمه. لما صار يقيس كل منشور، اكتشف إن الآراء «المعتدلة» بتجيب تفاعل أعلى شوي. فصار يخفف رأيه عشان يلاحق الرقم. النتيجة إن محتواه صار آمن وعديم الطعم، والناس اللي تابعوه عشان جرأته ما لاقوها. الرقم اللي طلع أعلى بنقطة، خسره الهوية اللي بنى عليها كل شي.

القاعدة البسيطة هون: القياس لازم يجي بعد الإبداع، مش قبله ولا أثناءه. تبدع بحرية، تنشر، وبعدين تقرأ الأرقام عشان تتعلم للمرة الجاية. لما القياس يسبق الإبداع، بيتحول من مرآة لرقيب، والرقيب ما بيخلي حدا يبدع.

الخبير بينتج محتوى، مش مصنع. القياس المفرط بيعامله غلط

في فرق بين شغل قابل للقياس الدقيق، وشغل قيمته بالنوعية اللي ما بتنقاس بسهولة. خط إنتاج مصنع تقيسه بالقطعة بالثانية. أما رأي خبير، أو طريقة شرحه، أو إحساس الناس فيه، هاي ما بتتلخص برقم.

المشكلة إن الخبير لما يدخل في عقلية القياس المفرط، بيبدأ يعامل محتواه كأنه خط إنتاج. بيدور على الصيغة اللي «بتأدي»، وبيكررها. بس المحتوى مش مصنع. الشي اللي بيفرق الخبير عن غيره هو بالضبط الأشياء اللي ما بتنقاس: زاوية ما حدا فكر فيها، صدق بنبرته، قصة طلعت منه بلحظة. لو ربط كل قراراته بالأرقام، رح يقص كل هاد، لأنه ما بيظهر بلوحة الأرقام.

مدربة تربية في الإمارات كانت بتنشر قصص طويلة عن مواقف مع أطفالها. القصص كانت بتاخد وقت بالقراءة، فالرقم اللي بيقيس «نسبة الإكمال» كان واطي. قررت تختصر عشان ترفع الرقم. صارت تنشر نصايح سريعة. الرقم تحسن، بس القصص الطويلة هي اللي كانت بتخلي الأمهات يحجزوا استشارات. النصايح السريعة ما بتبني ثقة. القصة بتبنيها. الرقم قاس شي، وفوّت الشي اللي بيدفع فلوس.

اللي لازم يفهمه الخبير إن أهم أصوله غير قابلة للقياس المباشر. الثقة اللي بتتبنى ببطء، الانطباع اللي بيتركه أسلوبه، الإحساس إنه صادق. لو خلى الأرقام تقرر كل شي، رح يضحي بهاي الأصول عشان مكاسب صغيرة بأرقام سطحية.

القياس بيخلق وهم السيطرة، والإبداع بيحتاج عدم يقين

الإبداع بطبيعته بيحتاج مغامرة. تجرب شي ما جربته، تقول رأي ما قلته، تطلع برة المضمون. وكل هاد بيحتاج تحمل عدم يقين. القياس المفرط بيعطي الخبير وهم إنه بيقدر يلغي عدم اليقين، وهاد الوهم هو اللي بيقتل المغامرة.

لما الخبير يصدق إن في صيغة مضمونة بتأدي، بيصير يلاحق المضمون ويهرب من المجهول. بس كل شي جديد وقوي بمجاله طلع من المجهول، مش من الصيغة. أعظم محتوى بناه كان أول مرة يجربه، وقتها ما كان عنده أي رقم يطمنه إنه رح يشتغل. لو انتظر الضمانة، ما كان جرب أصلاً.

مدرب لياقة في قطر حكى إنه كان عنده فكرة سلسلة تمارين بأسلوب مختلف تماماً عن السائد. تردد ينشرها لأنه ما عنده بيانات تقوله إنها رح تأدي. ضل يأجل أشهر، يبحث عن ضمانة ما رح تجي. بالآخر نشرها بلحظة جرأة، وصارت أنجح شي عمله. الضمانة اللي كان بيدور عليها بالأرقام ما كان ممكن توجد، لأن الشي الجديد ما إله سابقة تقيسها.

الأرقام بتحكيلك عن الماضي. عن اللي صار. بس الإبداع بيشتغل بالمستقبل، باللي لسا ما صار. لو خليت قراراتك كلها مبنية على ماضي مقيس، رح تكرر الماضي للأبد، وما رح تطلع لشي جديد. عدم اليقين مش عدو الخبير. هو الشرط اللازم لأي شي يستاهل النشر.

القياس المفرط بياكل الوقت اللي المفروض يروح للإبداع

كل ساعة بتقضيها بتحدق بالأرقام هي ساعة ما بتبدع فيها. وهاي مش مجرد مقايضة وقت. هي مقايضة عقلية. الدماغ اللي بيقضي يومه بتحليل الأرقام بيدخل في حالة ذهنية مضادة تماماً للحالة اللي بيحتاجها الإبداع.

التحليل بيحتاج عقل ضيق ومركز ونقدي. الإبداع بيحتاج عقل واسع ومرتاح ومنفتح. لما الخبير يقفز بين الحالتين طول اليوم، ما بيتقن ولا وحدة. بيصير يبدع وهو بعقلية النقد، فبيخنق أفكاره وهي طالعة. وبيحلل وهو متشتت، فبيطلع باستنتاجات سطحية.

معالج نفسي في الأردن قرر يبني حضور رقمي يشرح فيه أفكاره. بدل ما يقعد يكتب، صار يقضي معظم وقته يقرأ في تحليلات وأرقام منصات. بعد شهرين اكتشف إنه ما نشر إلا أربع قطع، بس قرأ مئات الأرقام. الوقت اللي كان المفروض يروح للكتابة راح للقياس. وبما إنه ما نشر كثير، ما كان في أرقام تستاهل القياس أصلاً. دخل بحلقة بيقيس فيها قليل وينتج أقل.

في معادلة بسيطة الخبير لازم يحفظها. القياس بلا إنتاج كافي مضيعة. أول ما تبني عادة نشر منتظمة، وبعدين تقيس بجرعة محدودة عشان تتعلم. مش العكس. القياس ما بيخلق محتوى. الإبداع بيخلقه. والوقت محدود، فكل ساعة بتعطيها لواحد بتاخدها من التاني.

كيف تستعمل الأرقام بلا ما تخنق إبداعك

الحل مش إنك تلغي القياس. الأرقام مفيدة لما تكون بمكانها الصح. الحل إنك ترتب علاقتك فيها عشان تخدمك بدل ما تحكمك.

أول شي، افصل وقت الإبداع عن وقت القياس فصل كامل. خصص أيام للإنتاج بلا ما تفتح أي رقم، وأيام منفصلة لقراءة الأرقام. لما تكون بتبدع، اللوحة مسكرة. لما تكون بتحلل، الإبداع موقف. الخلط بين الاثنين هو اللي بيخرب الاثنين.

ثاني شي، قلل عدد المؤشرات اللي بتتابعها. اختار مؤشرين أو ثلاثة بس مرتبطين بهدفك الحقيقي، زي عدد الاستشارات أو الردود الجادة. اترك العشرات الباقية. كل مؤشر زيادة بيضيف ضوضاء، والضوضاء بتشتت قراراتك. الخبير اللي بيتابع كل شي ما بيتابع أي شي بعمق.

ثالث شي، اسأل عن كل قرار قبل ما تربطه بالأرقام: هل هاد الشي قابل للقياس أصلاً؟ في قرارات إبداعية، زي زاويتك ونبرتك ورأيك، ما لازم تخضع للأرقام لأنها أصلاً ما بتنقاس صح. خليها مبنية على حدسك وخبرتك، مش على رقم سطحي.

رابع شي، اعطِ الأرقام دورها الصح: مرآة بتتعلم منها بعد فترة، مش رقيب بيراقبك لحظة بلحظة. اقرأ أرقامك مرة بالأسبوع أو مرتين بالشهر، وخد منها الدروس الكبيرة، وارجع للإبداع. القياس المتقطع بيعلمك. القياس المستمر بيشلك.

الفكرة من كل هاد إنك تخلي الأرقام بخدمتك، مش العكس. أنت الخبير. الرقم مجرد أداة بإيدك. لحظة ما تبدأ تطيعه بدل ما تستعمله، تكون خسرت الشي اللي بنى علامتك من الأساس.

الخلاصة

القياس أداة قوية، بس لما يصير غاية بحد ذاته، بينقلب على الخبير وبياكل إبداعه.

  • القياس لازم يجي بعد الإبداع عشان تتعلم، مش قبله عشان يحكم على كل فكرة وهي بالمهد
  • أهم أصول الخبير غير قابلة للقياس: ثقته، نبرته، صدقه. لو خلى الأرقام تقرر، رح يضحي فيها
  • الإبداع بيحتاج عدم يقين، والأرقام بتعطي وهم سيطرة بيقتل المغامرة اللي بتطلع الشي الجديد
  • كل ساعة قياس هي ساعة ما بتبدع فيها، والعقلية التحليلية مضادة للعقلية الإبداعية
  • الحل: افصل وقت الإبداع عن القياس، قلل المؤشرات، واستعمل الأرقام كمرآة دورية مش كرقيب دائم

الخبير اللي بنى اسمه بتلقائيته بيخسره لما يحاول يضبط كل شي بالأرقام. الأرقام بتقول لك عن الماضي، بس قيمتك عند الناس بتيجي من أشياء ما بتنقاس. خلي القياس بمكانه، وارجع للشي اللي فرقك من الأول.

اقرأ بعد هاد:


خطوتك التالية: اختار قرار إبداعي واحد بتربطه بالأرقام بإفراط، وحرره منها هالأسبوع وخليه لحدسك. لو بدك تشخيص واضح لوين القياس بيخدمك ووين بيخنقك قبل قرار أكبر، احجز استشارة. جلسة وحدة، تحليل مباشر، خطة عمل تطلع فيها بوضوح.

خطوتك التالية

إذا حسيت إن هاد بحكي عنك تحديداً، احجز جلسة. ساعة وحدة، تشخيص واضح لوين أنت الآن.

احجز جلسة
النشرة البريدية

عجبك المقال؟ المقال الجاي يصلك على بريدك مباشرة. مقال أو اثنين بالشهر، ولا حشو.

مقالات أخرى